أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
71
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : ما ذا فِي السَّماواتِ . يجوز أن يكون « ما ذا » كله استفهاما مبتدأ ، و « فِي السَّماواتِ » خبره أي أيّ شيء في السماوات ، ويجوز أن يكون « ما » مبتدأ و « ذا » بمعنى الذي ، و « فِي السَّماواتِ » صلته ، وهو خبر المبتدأ . وعلى التقديرين فالمبتدأ وخبره في محل نصب بإسقاط الخافض ، لأن الفعل قبله معلق بالاستفهام ، ويجوز على ضعف أن يكون « ما ذا » كله موصولا بمعنى الذي وهو في محل نصب ب « انْظُرُوا » ووجه ضعفه : أنه لا يخلو إما أن يكون النظر بمعنى البصر فيعدى ب إلى » وإما أن يكون قلبيا فيعدى ب « في » وقد تقدم الكلام في « ما ذا » . قوله : وَما تُغْنِي يجوز في « ما » أن تكون استفهامية ، وهي واقعة موقع المصدر أي : أي غناء تغني الآيات ، ويجوز أن تكون نافية ، وهذا هو الظاهر . قال ابن عطية : ويحتمل أن تكون « ما » في قوله : « وَما تُغْنِي » مفعولة بقوله : « انْظُرُوا » معطوفة على قوله « ما ذا » أي : تأملوا قدر غناء الآيات والنذر عن الكفار . قال الشيخ « 1 » : « وفيه ضعف » ، وفي قوله : معطوفة على « ما ذا » تجوّز يعني : أن الجملة الاستفهامية التي هي « ما ذا في السماوات » في موضع المفعول ، لأن « ما ذا » وحده منصوب ب « انْظُرُوا » فتكون « ما ذا » موصولة ، و « انْظُرُوا » بصرية لما تقدم . « يعني لما تقدم من أنه لو كانت بصرية لتعدت ب « إلى » . والنذر : يجوز أن يكون جمع نذير ، المراد به المصدر فيكون التقدير : والمنذرون وهم الرسل . قوله : ثُمَّ نُنَجِّي . قال الزمخشري : « هو معطوف على كلام محذوف يدل عليه قوله : إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ كأنه قيل : نهلك الأمم « ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا » معطوفة على حكاية الأحوال الماضية » . قوله : « كَذلِكَ » في هذه الكاف وجهان : أظهرهما : أنه في محل نصب تقديره : مثل ذلك الإنجاء الذي نجينا الرسل ومؤمنيهم ننجي من آمن بك يا محمد . والثاني : أنها في محل رفع خبر ابتداء ، وقدره ابن عطية وأبو البقاء بقولك : الأمر كذلك . قوله : حَقًّا فيه أوجه : أحدها : أن يكون منصوبا بفعل مقدر أي : حق ذلك حقا . والثاني : أن يكون بدلا من المحذوف النائب عن الكاف تقديره : إنجاء مثل ذلك حقا . والثالث : أن يكون « كَذلِكَ » و « حَقًّا » منصوبين ب « نُنْجِ » الذي بعدهما . والرابع : أن يكون « كَذلِكَ » منصوبا ب « نُنَجِّي » الأول ، وحقّا ب « نُنْجِ » الثانية . وقال الزمخشري : « مثل ذلك الإنجاء ننجى المؤمنين منكم ونهلك المشركين ، و « حَقًّا عَلَيْنا » اعتراض يعني : حق ذلك علينا حقّا » . وقرأ الكسائي وحفص « نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ » مخففا من « أنجى » يقال : أنجى وينجي ك « أنزل وينزل » . وجمهور القراء لم ينقلوا الخلاف إلا في هذا دون قوله : فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ، ودون قوله ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وقد نقل أبو علي الأهوازي الخلاف فيهما أيضا ، ورسم في المصحف « نُنْجِ » بجيم دون ياء .
--> ( 1 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 194 ) .